الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

468

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ثم يشير سبحانه إلى العامل الثاني الذي كان مصدرا وسببا لعذاب أصحاب الشمال ، فيقول سبحانه : وكانوا يصرون على الحنث العظيم . " الحنث " في الأصل يعني كل نوع من الذنوب ، وقد استعمل هذا المصطلح في كثير من الموارد بمعنى نقض العهد ومخالفة القسم ، لكونه مصداقا واضحا للذنب ، وبناء على هذا فإن خصوصية أصحاب الشمال ليس فقط في ارتكاب الذنوب ولكن في الإصرار عليها ، لأن الذنب يمكن صدوره من أصحاب اليمين أيضا ، إلا أنهم لا يصرون عليه أبدا ، ويستغفرون ربهم ويعلنون التوبة إليه عند تذكره . وفسر البعض " الحنث العظيم " بمعنى الشرك ، لأنه لا ذنب أعظم من الشرك . قال تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ( 1 ) . وفسر ( الحنث ) بالكذب ، لأنه أعظم الذنوب ، ومفتاح المعاصي ، خصوصا حينما يكون الكذب توأما لتكذيب للأنبياء ( عليهم السلام ) والمعاد . والظاهر أن هذه جميعا تعتبر مصاديق للحنث العظيم . وثالث عمل سبب لهم هذا الويل والعذاب ، هو أنهم قالوا : وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون . وعلى هذا فإن إنكار القيامة والذي هو بحد ذاته مصدر للكثير من الذنوب ، هو وصف آخر لأصحاب الشمال ، ومصدر لشقائهم . وتعبير كانوا يقولون يوضح لنا أنهم كانوا يصرون ويعاندون في إنكار يوم القيامة أيضا . وهنا مطلبان جديران بالملاحظة وهما : الأول : أن القرآن الكريم في معرض حديثه عن ( المقربين ) و ( أصحاب اليمين ) لم يعط توضيحا عن أعمالهم التي سببت لهم تلك النعم وذلك الجزاء ، إلا ضمن إشارة عابرة . أما عندما جاء دور الحديث عن أصحاب الشمال فقد وضحت

--> 1 - النساء ، آية 48 .